محمد ابو زهره
806
خاتم النبيين ( ص )
أولهما : أنها لا تملك قبل القسمة ، ولذلك صرح النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم في غزوة خيبر أنه لا يجوز بيع من له فيها قبل أن يقسم له قسم ويدخل في حوزته ، ولذا قال النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم فيما روينا من قبل ولا يحل لامريء يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يركب دابة من فيء المسلمين ، حتى إذا أعجفها ردها فيه ، ولا يحل لامريء يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يلبس ثوبا من فيء المسلمين ، حتى إذا أخلقه رده . وهذا الحديث يدل على أنه لا يملك . ولا يصح أن ينتفع به قبل القسمة . الأمر الثاني : الذي يجب التنبيه عليه أن الطعام الذي لا يدخر ، لا يخمس ، لأنه لا يعد غنيمة ، ولأنه يدفع غائلة الجوع الذي يصيب المجاهدين ، وحال مغبة الجوع ، وكان الجوع يصيب المسلمين فعلا في غزوة خيبر ، وإنه إذا لم يتناول قبل القسمة كان الناس في مخمصة ، والطعام بين أيديهم ، وإن ذلك ابتلاء فوق الابتلاء بالجهاد والصبر على شدائده . يروى ابن إسحاق بسنده عن عبد اللّه بن مغافل المدني أنه قال : « أصبت من خيبر جراب شحم فاحتملته على عنقي إلى رحلي وأصحابي ، فلقيني صاحب المغانم الذي جعل عليها ، فأخذه بناحيته ، وقال : هلم ، حتى تقسمه بين المسلمين ، قلت : لا واللّه لا أعطيه وجعل يجاذبنى الجراب ، فرآنا رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم فتبسم ضاحكا ، ثم قال لصاحب المغانم : خل بينه وبينه ، فأرسله ، فانطلقت إلى رحلي وأصحابي فأكلناه » . وهناك أمر يجب التنبيه عنه ، وهو غلول الغنيمة ، فهو محرم تحريما قاطعا ، لأنه سرقة في مال اللّه تعالى : وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ، وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ، ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ ، وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ . وإن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم لا يمكن أن يغل ، وليس من شأنه وكماله أن يغل هو ، أو يقر غلول أحد ، أو يسكت عنه ، والغلول الأخذ من الغنيمة خفية ، وإذا كان لا ينطبق عليه حد السرقة ، لأن مال الغنائم ليس في حرز مثله ، ولأن المحارب له شبهة حق فيه ، والحدود تدرأ بالشبهات ، فإنه شدد اللّه تعالى في عقوبته في الآخرة . وفي غزوة خيبر ، بين النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم شدة العقوبة في الآخرة . وقد كان بين المحاربين رجل اسمه مدعم ، وقد أخذ من الغنائم شملة ، وفتش متاعه بعد مقتله فوجد فيه مع الشملة خرزا من خرز يهودي يساوى درهمين ، وهو غلول مهما تكن قيمته . وقد جاء سهم فقتله وهو بوادي القرى ، فقال الناس : هنيئا له بالشهادة فقال النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم « كلا والذي نفسي بيده أن الشملة التي أخذها يوم خيبر لم يصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا » فأخرجه النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم من صفوف الشهداء بفعلته التي فعلها .